القدس في الشعر العربي
![]()
القدس
عرض- الدكتور خالد فهمي
يا قدس يا منارة الشرائع
يا طفلة جميلة محروقة الأصابع
حزينة عيناك يا مدينة البتول
يا راحة ظليلة مرَّ بها الرسول
حزينة حجارة الشوارع
حزينة مآذن الجوامع
هذا مقطع قصير من تراث شعري ضخم تراكم على امتداد السنين؛ يغازل مدينة القدس ويأسى لها، ويشفق على حالها، ويتغنَّى بأمجادها ويؤرِّخ لقيمتها، ويرثى لحزنها وآلامها، ويتوق إلى اليوم الذي يحرِّرها فيه المخلصون من أبنائها.
والآلام التي فجَّرتها محنة القدس، مدينة الآمال والآلام، أكبر من أي آلام أخرى، بل لا يوازيها أو يقترب منها، فضلاً عن أن يتفوَّق عليها آلام تفجِّرها محنة غيرها، لا والله، حتى ضياع الأندلس، ذلك الحلم الذي كان جميلاً!.
ومن أجل ذلك يكاد يمثل الشعر الذي أبدع للتعاطي على القدس على امتداد تاريخ المسلمين غرضًا مستقلاً، وإن كان ثمة غرض قديم سمُّي في التأليف القديم باسم رثاء المدن والممالك، وعرف قديمًا، ثم نما وازدهر في الحروب الصليبية، ثم زاد وكثر مع محنة سقوط الأندلس!.
وشعر القدس لا يضيق لينحصر في رثاء المدن؛ لأن الأغراض التي تتعانق معها أوسع من ذلك بكثير جدًّا؛ فقد غنَّى لها، ووصفها، ووقف أمام أمجادها، وصحَّح جزءًا من تاريخ مكذوب مزور أريد أن يُلصَق بها.
وفي هذا السياق ارتحل الأستاذ إبراهيم حلمي إلى حقب التاريخ الموصول ليكتب لنا كتابه المهم (القدس في الشعر العربي)، الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة هذا العام 2008م في خمسٍ وثلاثين وثلاثمائة صفحة.
وقد تضمَّن الكتاب ما يلي:
مقدِّمة في منهج البحث (ص 7- 15).
الباب الأول: (القدس في الشعر الوصفي العربي) (ص 17- 40).
الباب الثاني: (القدس وشعر العاطفة الوجدانية) (ص41- 298).
ويندرج تحته ثلاثة فصول، هي:
1- احتفال الشعر العربي برحلة الإسراء إلى المسجد الأقصى.
2- الشعر العربي والتصدي لمطامع الحملات الصليبية في القدس.
3- القدس في الشعر العربي المعاصر المتصدِّي للاستعمار الصهيوني.
الباب الثالث: (القدس في الشعر المسرحي) (ص 299- 321).
وقد كان لجوء المؤلف إلى هذه الرحلة الطويلة من بابٍ موضوعي في المقام الأول، راجع إلى خطورة قضية القدس، وهو يقرِّر أن المعالجة الموضوعية هي الإطار الأهم في هذا السياق؛ ذلك أن العرب والمسلمين والفلسطينيين يؤكِّدون بالدم والدموع هذا المعنى تأكيدًا حقيقيًّا.. ما في ذلك شك.
وهو يقرِّر أن فهم ما تنطوي عليه الذات العربية لا يكون من غير أن يُفهَم ذلك الرباط الوثيق الذي يجمع الشعر بالقدس.
ولذلك نلحظ مجموعة أمور مهمة جدًّا في هذا السياق الجامع بين الشعر والقدس يمكن التقاطها وبيانها في العلامات الفارقة والنقاط التالية:
أ- اتفاق الشعراء على اختلاف توجُّهاتهم الفكرية على قيمة القدس، ومغازلتها والتغنِّي بأمجادها، واستنطاق تاريخها، وإدراك منزلتها الجليلة.
ب- امتداد ديوان شعر القدس على مرِّ التاريخ في الأزمات التي تعرَّضت فيها القدس للعدوان الأجنبي وفي غير الأزمات عندما خضعت للحكم الإسلامي.
ج- اختلاط الأغراض الشعرية في قصائد القدس بشكلٍ مثيرٍ للانتباه؛ حيث تتداخل أغراض الوصف مع الفخر مع الرثاء مع المدح.
د- العناية بالتاريخ والفكرة في قصائد القدس لمواجهة محاولات تزوير أحاطت بتاريخ هذه المدينة المقدسة.
وقد كانت الدراسة الأدبية التي اضطلع بها الأستاذ إبراهيم حلمي لمعالجة تعاطي الشعر العربي مع القدس أشبه شيء بالمقدِّمة الطويلة المُوسَّعة التي يمكن أن يتفرَّع منها دراسات كثيرة يستقل أفرادها بمعالجة موضوعات مهمة من مثل العلاقة بين شعر القدس والتاريخ، وبين شعر القدس ورثاء المدن، وبين شعر القدس ومجد الأمة، وبين شعر القدس ووحدة الأمة العربية المسلمة.. إلخ.
1- القدس: وجه جليل زاده الزمان جلالاً!
في الباب الأول الذي عقده المؤلف لشعر القدس الوصفي عند العرب التفت إلى ما التصق بالقدس من سحرٍ وخلابة، وربما كان احتفالها بالمقدسات الإسلامية والنصرانية سببٌ في هذا السحر وهذه الخلابة اللذين لازماها على امتداد التاريخ.
وقد انتبه إلى تواتر هذا الشعور الساحر الذي سكن الإبداع الشعري المعانق للقدس عبر التاريخ، فرصد وصفها من زمن بعيد جدًّا ربما عاد إلى العصر الجاهلي.
لكن البداية الحقيقية لوصف القدس بدأت مع العصر الإسلامي، فيقف أمام وصف الفرزدق، وأبي العلاء المصري، وكمال الدين الزملكاني والحسن بن عمر بن حبيب، وأبي جلنك الحلبي ومجير الدين الحنبلي وابن حجر العسقلاني والقرقشدي، وشهاب الدين بن أرسلان وبرهان الدين الأنصاري، وعبد الغني النابلسي والشيخ الريمادي وإبراهيم ناجي.
وقد اتفق هؤلاء الشعراء جميعًا وغيرهم في الشعر الوصفي للقدس على استثمار الحقائق والملابسات الدينية في خطوة لتصوير جلال المدينة وقدسيِّتها.
يقول الزملكاني الشاعر (توفِّي سنة 727هـ):
يمم ذرى القدس الشريف وعج به فهناك أنوار الجلال تلوح
واقصد حماه فإن ضللت تجد هدى عرف المعارف من شذاه يفوح
وهو المعنى نفسه الذي التقطه عبد الغني النابلسي في أوائل القرن الثاني عشر الهجري:
دخلنا بعون الله في حضرة القدس وقد لاحت الأنوار من جانب القدس
وهبَّت علينا نسمة مندلية تبث شذا الألطاف من روضة الأنس
إلى الحرم القدسي كان مسيرنا لنشرف من تلك الأماكن باللمس
ونحظى بأسرار القلوب ونجتني ثمار الكمال الغض من أطيب الغرس
وفي هذا النموذج- كما نرى- استثمار جيد لحقائق التاريخ المرتبطة بتاريخ الإسلام الرائع، ولا سيما فيما يتعلق بالرحلة الجليلة المعجزة، الإسراء والمعراج، يقول النابلسي:
وقد أسفر الإسراء عنه وأوضحت معاريجه ما قد سمعنا من الهمس
وبالمسجد الأقصى بقية مهجة من المصطفى المختار جلَّت عن الطمس
تشير إلى المبدأ الحجازي بالذي لديها من الأنوار في صفحة الطرس
وقد تواتر استثمار هذه المعلومات الدينية لكي تبث نفوس المتلقين من جمهور الشعور شاعر الهيبة والجلال والتقديس لهذه الأرض المباركة، فظهرت العناية بشرف القدس، وحرمته، ومنزلته المشتركة مع منزلة مكة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة.
وقد شغلت الصخرة والقبة والإسراء وزيارة الأنبياء الأخيار- صلوات الله عليهم- مكانًا مرموقًا في غرض الوصف في تجليات في قصائد القدس.
على أن الأواصر الدينية لم تكن وحدها هي المدخل الذي احتفلت به قصيدة الشريف، صحيح أن المدخل الديني والتاريخي كان هو كلمة السر في بناء قصيدة القدس في تجلياتها الوصفية، لكن المدخل الوطني والقومي كان له بروز وظهور آخر فيما سمَّاه المؤلف (القدس وشعر العاطفة الوجدانية)، وفي هذا السياق تجلَّت ثلاث مراحل أساسية أحجبت هذا الشعور الوجداني الطاغي الذي عكسته قصائد القدس، وهي كما يلي:
1- استثمار الإسراء والمعراج.
2- استثمار الحروب الصليبية.
3- استثمار العدوان الصهيوني.
ولعل توقُّف المؤلف عند هذه العلامات أو المراحل الثلاثة كان بسبب أنها أهم المحطات التي أحاطت بتاريخ المدينة المقدسة، وأنها أكبر حادثات الزمان التي تعلَّقت بقضية المدينة المقدسة الشريفة، سواءٌ في بناء صورتها باعتبارها مسرى النبي صلى الله عليه وسلم ومبتدأ معراجه وأولى القبلتين اللتين توجَّه إليهما المسلمون، أو فيما حاق بها من عدوان الغرب الصليبي الطامع ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |